الشبكة الرفاعية ( منتدى الإمام الرواس قدس سره )
عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة
أولا : إذا لم يظهر المنتدى بشكله الكامل يرجى تغيير المستعرض عندكم إلى موزيلا فاير فوكس فهو المعتمد لدينا ...
ثانيا : يرجي التكرم بتسجبل الدخول اذا كنت عضو معنا

او التسجيل ان لم تكن عضو وترغب في الانضمام الى اسرة المنتدى
سنتشرف بتسجيلك
شكرا
ادارة المنتدى center]


الشبكة الرفاعية ( منتدى الإمام الرواس قدس سره )
 
الرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الانتصار لأهل الذل والانكسار

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أبو بهاء
مشرف القسم الصوفي
مشرف القسم الصوفي


الدعاء





الأوسمة

الجنس : ذكر عدد المساهمات : 56
نقاط : 83
تاريخ الميلاد : 10/05/1971
تاريخ التسجيل : 27/10/2010

مُساهمةموضوع: الانتصار لأهل الذل والانكسار   الجمعة نوفمبر 05, 2010 4:18 am

وصية واستذكار

أيها المؤمن العاقل اللبيب ، أيها الأخ المبارك ، أي سيدي :

اقرأ كتاب الله متدبراً متفكراً ، مسترشداً مستبصراً ، فهو الكتاب الحق المبين { لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ }[فصلت:42] ، { لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ }[يونس: 37]، أمعن فيه وتمعن (1) ، تحقق حقائقه ، اقصد منافعه ، فهو حق الحق وصدق الصدق ، { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً } [النساء:87] ،{ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً } [النساء:122].

قف مع وعده ووعيده ، وكن من ذلك على يقين { أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ } [يونس:55] ، لا تبالي بالمعاندين ، ولا تكترث بالجاحدين { وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ } [الروم:60]، { وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ }[يونس:65] تعلق بربك ، وتوكل عليه { وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ } [الطلاق: 3] ، { أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } [الزمر:36] .

أيها المؤمن المبارك ! ستظهر الحقائق ، وستكشف الدقائق ، { وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ } [الشعراء: 227] , وتشهد بكليتك نصراً ما بعده نصر ، وعزاً ما بعده عز { وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ }[المنافقون:8] { أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ } [البقرة: 214] ، تدبر معنى قوله سبحانه { إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ } [غافر:51] .

حققنا لله وإياك بحقائق الإيمان , ورزقنا غاية التصديق والإيقان ، وأزال عنا الشكوك والأوهام .

أيها المحب الصادق ! تعال نسير معاً في رحلة مباركة في عالم مبارك ، مع قوم مباركين ، عسى أن تجد مبتغاك ، وتحظى بمناك ، فإني مثلك أسأل وأتأمل ، وأبحث عن لذيذ العيش وأتعلل .

تعال نعيش في عالم أولياء الله ، وأحبائه وأصفيائه ، الذين {لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} [يونس: 62] عسى أن تسلو ، ويطيب لك العيش ويحلو ، [جعلك الله من أهل حبه ، وأتحفك بوجود قربه ، وأذاقك من شراب أهل وده ، وأمنَّك بدوام وصلته من إعراضه وصده ، ووصلك بعباده الذين خصهم بمراسلاته ، وجبر كسر قلوبهم لما علموا أنه لا تدركه الأبصار لنور تجلياته ، وفتح لهم رياض القرب وهب منها على قلوبهم واردات نفحاته ، أشهدهم سابق تدبيره فيهم فسلموا إليه القياد ، وكشف عن خفي لطفه في منعه فتركوا المنازعة والعناد ، فهم مستسلمون إليه ومتوكلون عليه ، وقد قال نبيك المعظم ، ورسولك المكرم - صلى الله عليه وسلم - : « الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ» (2) .

فإذا علمت أيها الأخ الشقيق ، فلا تخالل إلا من ينهضك حاله ، ويدلك على الله مقاله ، وذلك هو الفقير المتجرد عن السوى ، المقبل على المولى ، فليست اللذة إلا مخاللته ، ولا السعادة إلا خدمته ومصاحبته] (3) ، فلذلك قال الشيخ العارف المتمكن أبو مدين رضي الله تعالى عنه :

ما لذَّةُ العيش إلا صحبةُ الفقرا ... هم السلاطينُ والساداتُ والأمرا

فاصحبهُم وتأدَّب في مجالسهِم ... وخلِّ حظَّك مهما قدَّموكَ ورا

واستغنم الوقتَ واحضر دائماً معهم ... واعلم بأن الرضى يخصُّ من حضرا

وقُل عبيدُكُم أولى بصفحِكمُ ... فسَامحوا وخُذوا بالرفقِ يا فقَرا

فلا تخف دركاً منهُم ولا ضَرَرا ... هم بالتفضُّلِ أولى وهوَ شيمتُهُم

متى أراهم وأني لي برؤيتهم ... ... أوتسمع الأذن منّي عنهم خبرا

من لي وأنى لمثلي أن يزاحمَهُم ... على موارِدَ لم ألف بها كدَرا

أحبَّهُم وأداريهم وأوثرهُم ... بِمُهجتي وخصوصاً منهمُ نفرا

قوم كرام السجايا حيثما جلسوا ... يبقى المكان على آثارهِم عطرا

هم أهل ودّي وأحبابي الذين همُ ... ممّن يجرُّ ذيول العزّ مفتخرا

لا زال شملي بهم في اللَه مجتمعا ... وذَنبُنا فيه مغفوراً ومغتفَرا

هم أهل الذكر والفكر ، وأهل المحبة والقرب ، فمحبتحم من خير المحبة ، وصحبتهم من أفضل الصحبة ، ومن أحبهم أحبه الله ، ومن ناصرهم ناصره الله ، ومن تقرب منهم قربه الله « هُمْ الْقَوْمُ لا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ » (4) .

قال سيدي محمد بهاء الدين الرواس:

إنَّ معنى الهُيامُ بالأَولِياءِ ... لهُيامٌ بخالقِ الأَشياءِ

وغَرامُ القُلوبِ بالقومِ حقًّا ... فيه شأنٌ من وارِداتِ السَّماءِ

ألِفَ القلبُ صدقَهُمْ وهُداهُمْ ... ورأى ميلَهُمْ عن الآلاءِ

صَعِدوا بالقُلوبِ سلَّمَ ذوقٍ ... كشفوا فيه مُسْدَلاتِ الغِطاءِ

طَلبوا ربَّهُم وفاتوا سِواهُ ... وتَناهَوْا بالرُّتبَةِ القَعْساءِ

فلهذا مالَ الفُؤادُ إليهم ... بانْقِطاعٍ لأرْحَمِ الرُّحماءِ

وضَليعٌ إنْ كان في ساحةِ القو ... مِ مَشَوْا فيه فارغَ الأَعْباء

حملَتْهُ رُكبانُهُمْ بأَمانٍ ... أينَ ساروا في مَهْمَهِ البيداءِ

ومُحِبٌّ رأى خَطاياهُ طَمَّتْ ... ورَمَتْهُ الشُؤُنُ بالأَهواءِ

عاجِزٌ مُذنِبٌ كليلٌ كسولٌ ... ذو انْحِطاطٍ عن همَّةِ العُظَماءِ

مُوثقٌ بالهوَى فقيرٌ ضعيفٌ ... ... فتَوارى بالحُبِّ للأَقوِياءِ ...

راجِياً جاهَهُمْ إذا دهَمَ الأَمـ ... ـرُ بيومِ المُصيبةِ الغَمَّاءِ

ولهم في غدٍ شَفاعةُ وجهٍ ... صحَّ هذا عن سيِّدِ الأَنبِياءِ

فالْزَمِ الأَولِياءَ قلباً وحقِّقْ ... وُدَّهم في سَريرةٍ خَلْصاءِ

واستقِمْ عاشقاً وحاذِرْ تُبارِحْ ... ... بابهُمْ حالَ شدَّةٍ أو رَخاءِ

وتمَلْمَلْ برَحبِهِمْ وارْوِ عنهم ... حالَهُمْ واحَفَظْنَ حُقوقَ الثَّناءِ

هم مُلوكُ الحِمى أُسودُ التَّجلِّي ... أهلُ شقِّ الغُبارِ في الهَيْجاءِ

********************

(1) أمعن النظر في الأمر : بالغ فيه وأبعد في الإستقصاء ، وتمعن : أي تصاغر وتذلل انقياداً من قولهم : أمعن بحقي إذا أذعن واعترف .

(2) حديث حسن ، رواه أحمد ، وأبو داود ، والترمذي ، والحاكم ، وغيرهم ، عن أبي هريرة رضي الله عنه .

(3) ما بين معكوفتين تضمين من كلام ابن عطاء الله السكندري في مقدمة كتابه عنوان التوفيق .

(4) متفق عليه .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
محب السيد الرواس
الإدارة
الإدارة
avatar

الدعاء





الأوسمة




الجنس : ذكر عدد المساهمات : 1055
نقاط : 1693
تاريخ الميلاد : 09/01/1987
تاريخ التسجيل : 07/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: الانتصار لأهل الذل والانكسار   الجمعة نوفمبر 05, 2010 8:38 pm

الله يجزيك الخير

أرجو منك أن تضع المشاركات في هذا الموضوع بشكل ردود حتى تتصل السلسلة

وتعم الفائدة

الله يجعلنا أهل للإجتماع بهم






أخي لاتنسانا من صالح دعائك

منتدى الإمام الرواس
قدس سره

شاركنا وكن عضوا من أعضاء المنتدى




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://alrfa3ea.4umer.com
أبو بهاء
مشرف القسم الصوفي
مشرف القسم الصوفي


الدعاء





الأوسمة

الجنس : ذكر عدد المساهمات : 56
نقاط : 83
تاريخ الميلاد : 10/05/1971
تاريخ التسجيل : 27/10/2010

مُساهمةموضوع: مطلب في قوله تعالى : {وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ}   الأحد نوفمبر 07, 2010 4:19 am

مطلب في قوله تعالى

﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ﴾



قال ابن كثير رحمه الله تعالى (1):

يخبر تعالى عن ابن آدم أنه كلما طال عمره ردّ إلى الضعف بعد القوة والعجز بعد النشاط، كما قال تعالى: ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ ﴾ [الروم: 54] . وقال: ﴿ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ﴾[الحج: 5] .

والمراد من هذا -والله أعلم-الإخبارُ عن هذه الدار بأنها دار زوال وانتقال، لا دار دوام واستقرار؛ ولهذا قال: ﴿ أَفَلا يَعْقِلُونَ ﴾ أي: يتفكرون بعقولهم في ابتداء خلقهم ثم صيرورتهم إلى نفس الشَّبيبَة، ثم إلى الشيخوخة؛ ليعلموا أنهم خُلقوا لدار أخرى، لا زوال لها ولا انتقال منها، ولا محيد عنها، وهي الدار الآخرة.انتهى

وهذه الحقيقة ظاهرة جلية ، ومن ورائها حقيقة مستترة خفية ، أشار إليها السيد أحمد الرفاعي الكبير في برهانه ، فقال رضي الله عنه(2) : أيدوا عقدة حبل الوصلة مع الله بغض الطرف عما تراه أبصاركم من النكس عند الخلق طمعاً بتعمير الحق فإنه تعالى يقول :﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾ [يّـس/68] . لا تجعلوا منتهي أنظاركم وغاية أبصاركم رؤية الخلق ، ملوكهم وأواسطهم والطبقة السفلي منهم علي حال واحد في العجز والفقر والمسكنة ، حجب قامت على العيون سترَ بها الخالق خلقه , وقضى فيهم بأمره فالعاقل من أدرك هذا الشأن وأعرض عن الحجاب والمحجوب , والتجأ إلي المقيم القديم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم :﴿ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ﴾ [الأعراف 54] . انتهى .

وموضوعنا يدور حول إثبات هذه الحقيقة ، بالبراهين الدقيقة ، وسيظهر لك ذلك واضحاً جلياً إن شاء الله تعالى .

فهذا السيد محمد بهاء الدين الرواس رضي الله عنه يصف لنا حالة اعترته في بعض منازلاته قائلاً(3):

وفي تلك المنازلة الطارقة ، والداعية البارقة غبت عني ، فمر بي رجل فوقف أمامي زماناً ، وهناك وحضرت فسمعته يقول هذا رجل أكل حشيشة ، فغلبت علي غيرتي لربي ، ثم أخذني الرضا من الله تعالى فصبرت وتفكرت فقه هذا الأمر ، فرأيت أن عباد الله المحبين إليه مذبهم حق ، وأضداهم مذهبهم باطل ، فإذا برز عبد من المحبين برز بثوب مذهبه ، فرأته عين ضده انفصلت الوصلة الجامعة بينهما ، فنفرت منه نفسه ، وقام من نفسه الخبيثة لنفسه صفات مذمومة أصلها منه رآها بالعبد المحبب فذكرها ، ويزعم أنها صفات المحبب ، وربما أخذه حقده وبغضه لضده في صفته المحبب ، فافترى عليه وكذب وخاض به ، فألبسه من أثواب أباطيله أكسية البهتان ، وتجرأ عليه بمحض العناد ، والظلم والعدوان ، وهو في مشهده المزعوم كاذب ، وفيما افتراه فاجر ، وليس بضاره بشيء بإذن الله ، والمحبب محفوظ ، والذي لغط به وافتراه صفته أيضاً : وقد أفرغ هذا السر للعبد المحبب من حال النبي صلى الله عليه وسلم فإن قريشاً كانوا يسبونه ، وإذا سبوا سبوا مذمماً ، فلا يغتم لذك لأنهم يسبون مذمماً وهو محمد ، وبهذا جاء الخبر عنه صلى الله عليه وسلم ، فإنه قال عليه الصلاة والسلام : «أَلاَ تَعْجَبُونَ كَيْفَ يَصْرِفُ اللَّهُ عَنِّي شَتْمَ قُرَيْشٍ وَلَعْنَهُمْ ، يَشْتِمُونَ مُذَمَّمًا وَيَلْعَنُونَ مُذَمَّمًا وَأَنَا مُحَمَّدٌ» . رواه أمة من ثقاة المحدثين كالبخاري ومسلم وغيرهما .

وصرفُ قلوبهم وألسنتهم – أعني الطاعنين الشاتمين للنبي صلى الله عليه وسلم – صرفٌ إلهي يشمل أعداء ورَّاثه عليه الصلاة والسلام في كل زمن ، فإنهم كانوا إذا سئلوا يقولون: إنما نشتمه لأنه كذاب أشر ، ومجنون وازدجر ، ونطعن في إفك افتراه .

حالة كونه عند ربه وعند أحبابه ، والخاصة من خلقه ، هو الصادق الأمين المبارك السيد العظيم ، العلة الغائية ، الرحمة الجامعة الشاملة العامة ، فمشتومهم الكذاب وكلهم ذلك ، ومطعونهم المجنون وكلهم ذلك ، ومسبوبهم المعَلََّم وكلهم ذلك . والحبيب العزيز القدر بريء عند الله وأهل الحق من خلقه .

وإن خوض أهل الباطل وبغضهم لأهل الحق هو من انتصار الله تعالى لأهل الحق ، قال نبينا العظيم عليه أفضل الصلاة والتسليم: «كَفَى بِالرَّجُلِ نَصْرَاً أَنْ يَنْظُرَ إِلَى عَدُوِهِ فِي مَعَاصِي اللهِ تَعَالَى»(4) . جاء هذا الخبر برواية علي عليه السلام ، وقد ترى حال أهل كل عصر ، وحظهم مع الله بمرآة الحال المحمدي ، وهي عصابة أهل الحق ، فكيف أقوال أهل الزمان فيهم ، وحبهم لهم ،وانتظامهم بسلكهم ، وقيامهم بحوائجهم ،وغارتهم لهم ، وقدرهم عندهم وفي قلوبهم ، فهم عند الله بهذه النسبة . وعكس ذلك كذلك .

وأخشى مايخشى العارف زهد أصحابه وأقاربه فيه ، ولذلك يُرى في كل عصر أقلَّ الورَّاث ورَّاثهم ويشهد لذلك ما رواه أبو الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم «أَزْهَدُ النَّاسِ فِي الْعَالِمِ أَهْلُهُ وَجِيرَانُهُ»(5) ، وفي التوراة «مَا كَانَ حَكِيمٌ قَط فِي قَوْمٍ إِلاَّ بَغَوا عَلَيْهِ وَحَسَدُوهُ»(6) .

وقد كان أئمة الأمة الشعث الغبر وراث حال المصطفى عليه الصلاة والسلام وعليه أعني الإثني عشر من خاصة أهل بيته مع ما هم عليه من العلم والفضل والزهد والحكمة والشرف الوضاح ، وجلالة القدر ، وعلو الجانب وعزة الجناب ، حتى كأنهم من أنبياء بني إسرائيل – عليهم السلام – ولا زالوا محسودين مبغوضين . بغى عليهم أهل زمنهم ، وأساؤوهم وأهانوهم ، وهم بين شهيد بالسيف ، وشهيد بالسم ، ومكمود بالغم ،وقد كانت طوائف العمال من جماعة ملوك بني أمية ، وبني العباس إذا قصدوا الحجاز تبعتهم الجنائب ، وحدت لهم حداة الركائب ، وضربت لهم الأخبية على الطرق بأطراف خيوط الذهب ، وصحاف الفضة ، وخيام الحرير ، ومدت لهم الأسمطة بأواني الصين ونصبت لهم كراسي الذهب ، وأسرة الجمان ،هذا ومنهم العبد الخصي ، والعبد الأسود الأجوف،والفاجر والمخمور والكذاب ، والمتجاوز الحدود ، والمتخوض في مال الله بغير حق .

وآل محمد عليه وعليهم من الله أفضل الصلاة والسلام على أقتاب الإبل ، ويتظللون بأشجار الغيلان ، وأثوابهم مرقعة ، وأوانيهم الأرض وملاعقهم أكفهم ، وطعامهم خبز الشعير ، وإذا كانوا في مجلس تقدمهم أولئك الطغام ، وبقي لهم أطراف المجلس ، وأواخر الخطاب ، وقد انتهكت حرمتهم وسلبت حقوقهم ، وفعل بهم مايفعل بالحربيين ، وفي هذه الأدلة من أسرار الله للعارف ما يلزمه بالرضا المحض من الله تعالى .

وقد رأيت قوماً يقولون هذه الخصوصيات للعارفين الذين هم من أهل الإطلاع ، وقد عرفوا بوعد حق ما أعد الله لهم من قرة أعْيُن ؛ ولو بلغنا مثل هذا لصبرنا كصبرهم ورضينا كرضاهم إطمئناناً بوعد الله تعالى .

(والجواب):

هذا من مغالطات الشيطان ، ومصارعات النفوس إذ الوعد الإلهي ثابت لكل مؤمن ومسلم صبر ورضي بنص﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِين﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ فالصابرون المبشرون بالمعية ، والمتقون المؤمنون الموعدون بها ، والمراد بالمؤمنين هنا المطمئنون بوعد الله تعالى أهل الإيمان به .

والله تعالى قال: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ وعلى ما ذكر فهذه الدنيا الموقتة الكاذبة لا الغلبة فيها غلبة ، ولا المغلوبية مغلوبة ، وإنما كلاهما يظهر في الآخرة الباقية بين يدي من يعلم السر والعلانية .

ومن انتصار الله تعالى لأهل الحق أن التأييد معهم في فقرهم وذلهم وانكسارهم وعجزهم ، وأهل الباطل الخزي معهم في غناهم وعزهم وشوكتهم وقدرتهم .

وفقه ذلك أن كل القلوب - نيرها ومظلمها - منفك عن استحسان باطل أهل الباطل ؛ مرتبط باستحسان حق أهل الحق ، وإن انفكت القوالب ، أو ارتبطت بكلا الطائفتين.

وبلغني من رجل من أصحاب النوبة بمصر - اسمه السيد عبد الرحيم- أنه خطب امرأة من أهل المحلة لنفسه ، فامتنع أخوها من إعطائها له ، فقيل له في ذلك ؛ فقال: هو يأكل الحشيشة .

قيل له : أرأيته ؟ قال: ظاهر هذا بعينيه، قيل له هو رجل صالح . قال: لو كان صالحاً ماكان هذا الاحمرار بعينيه .

وهذا من العجائب على أن بعض القوم ذكر أن احمرار العينين من علامات الصلاح ، وصدق الحال ، وما ذاك إلا ليميز الله الخبيث من الطيب .

وإذا امتحن الله بعض أحبابه بحال من هذا فلا بد للأمر في باطنه من فقه حسن ؛ يعود لصالح العبد المحبب في دينه أو دنياه ، حالاً أو مستقبلاً ، فالحمد لله رب العالمين .
من نعمره عندنا ونعليه في حضرة قربنا نجعله عند الخلق منكساً



وقال السيد الرواس رضي الله عنه (7):

وقد رأيت في سياحتي إلى الحجاز والديار المصرية والشامية أن الأحمدية مع كثرتهم وشهرتهم ، وكثرة أوليائهم ، وحسن اعتقاد الناس بهم وبمتقدميهم ، وتسلسل الأولياء في طائفتهم ، دون غيرهم من رجال الطوائف بالمال والأماكن على الغالب إلا من ندر.

فكوشفت في منازلتي أن استفت الخضر عن هذا إذا رأيته .

وهناك وأنا أمام باب القلعة بحلب وإذا الخضر عليه السلام ، فقلت له : عليك السلام أفتني ، وذكرت القصة ، فتبسم وقال : الله تعالى يقول : ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾ يريد أن التفسير في هذه الآية من نعمره عندنا ونعليه في حضرة قربنا نجعله عند الخلق منكساً ، ثم قال : أنت ذكرت أنهم أكثر القوم أولياء ، وأشهرهم رجالاً ، وأعمهم فتحاً ومنزلتهم في الديوان معلومة كما رأيت . قلت : نعم . قال : وهذا غاية التعمير عند الله ، فحمدت الله تعالى وقلت :
إن البراهين وأطوارها *** تحدث للعارف أخبارها
تكشف من طي إشارتها *** لصاحب الإذعان أسرارها
يجعل ربي عز من فاعل *** صغارها في الباب كبارها
أكرم بالباقي كبار الحمى *** وصد بالمعدوم فجارها
يقطع بالتقوى أساتيذها *** والصبر والعرفان أعمارها
ومن به زاغ طريق الهوى *** يعشق من دنياه آثارها
يترك أخراه ومن حمقه *** ينفخ في دنياه مزمارها
وما درى أن البلا موثق *** بأسره بالموت أحرارها
ويتجلى الأمر بكشف الغطا *** ويحمل اللاهون أوزارها




فسمع كل قولي وقال عليه السلام : أنت موفق بارك الله بك وقال :
لا بارك الله بها إنها *** تصرع دون الناس أنصارها


*********************


([1]) تفسير ابن كثير [ 3 / 579 ] ، طبعة : دار الفكر .


([2]) [1 / 60] .


([3]) بوارق الحقاائق : 138 ، الطبعة الأولى .


([4]) الفردوس بمأثور الخطاب [3 / 288 ، (4865)] ، ذكره السيوطي في الجامع الصغير (6251) وضعفه .


([5]) ذكره السيوطي في جامعه (961) ، وعزاه لأبي نعيم ، وابن عدي ، وضعفه .


([6]) تاريخ دمشق [27 / 203] ، المدخل للبيهقي (704) .


([7]) بوارق الحقاائق : 146 ، الطبعة الأولى .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
محب السيد الرواس
الإدارة
الإدارة
avatar

الدعاء





الأوسمة




الجنس : ذكر عدد المساهمات : 1055
نقاط : 1693
تاريخ الميلاد : 09/01/1987
تاريخ التسجيل : 07/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: الانتصار لأهل الذل والانكسار   الأحد نوفمبر 07, 2010 4:07 pm

( ومن نعمره ننكسه في الخلق )

فما كل من علا بزعم الدنيا وأهلها فهو عال ولكن العبرة في الحضرة وعند أهل الله تعالى
وما كل مانراه من ظواهر الأمورحقيقة فوراء هذه الأمور أشياء مغيبة نسلمها لمولاها وباريها

درس جميل نتعلم من خلاله أن لله تعالى عبادا أقامهم تحت مرط الخفاء بهم ينصر ويرزق ويفتح على خلقه
تأدب مع خلق الله وفي برقمة البلبل كفاية وتوضيح

http://alrfa3ea.4umer.com/montada-f8/topic-t288.htm#1348
في كأس ترقرق من آيات ياسين






أخي لاتنسانا من صالح دعائك

منتدى الإمام الرواس
قدس سره

شاركنا وكن عضوا من أعضاء المنتدى




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://alrfa3ea.4umer.com
محب السيد الرواس
الإدارة
الإدارة
avatar

الدعاء





الأوسمة




الجنس : ذكر عدد المساهمات : 1055
نقاط : 1693
تاريخ الميلاد : 09/01/1987
تاريخ التسجيل : 07/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: الانتصار لأهل الذل والانكسار   الأحد نوفمبر 07, 2010 4:24 pm

رأيت في المراجع ( بوارق الحقائق ) الطبعة الأولى
هل هناك فرق بينها وبين طبعة دار البشائر الموجودة في الأسواق حاليا ؟؟؟؟






أخي لاتنسانا من صالح دعائك

منتدى الإمام الرواس
قدس سره

شاركنا وكن عضوا من أعضاء المنتدى




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://alrfa3ea.4umer.com
أبو بهاء
مشرف القسم الصوفي
مشرف القسم الصوفي


الدعاء





الأوسمة

الجنس : ذكر عدد المساهمات : 56
نقاط : 83
تاريخ الميلاد : 10/05/1971
تاريخ التسجيل : 27/10/2010

مُساهمةموضوع: طبعات كتاب بوارق الحقائق   الثلاثاء نوفمبر 09, 2010 3:43 am

يوجد بين أيدي الناس عدة طبعات لكتاب بوارق الحقائق منها طبعة سيدي أبي فهد رحمه الله تعالى ورضي عنه .
ومنها طبعة الشيخ عبدالجليل عطا , ومنها طبعة الشيخ حسن وغيرها .
ونقصد بالطبعة الأولى طبعة سيدي أبي فهد رحمه الله تعالى .
وشكراً لك سيدي رائد على جهودك واهتماماتك ، وحفظك الله ورعاك .
خادمكم محمد أبو بهاء
.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
محب السيد الرواس
الإدارة
الإدارة
avatar

الدعاء





الأوسمة




الجنس : ذكر عدد المساهمات : 1055
نقاط : 1693
تاريخ الميلاد : 09/01/1987
تاريخ التسجيل : 07/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: الانتصار لأهل الذل والانكسار   الثلاثاء نوفمبر 09, 2010 11:54 am

شكرا على التوضيح

بين يدي نسخة الشيح حسن








أخي لاتنسانا من صالح دعائك

منتدى الإمام الرواس
قدس سره

شاركنا وكن عضوا من أعضاء المنتدى




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://alrfa3ea.4umer.com
أبو بهاء
مشرف القسم الصوفي
مشرف القسم الصوفي


الدعاء





الأوسمة

الجنس : ذكر عدد المساهمات : 56
نقاط : 83
تاريخ الميلاد : 10/05/1971
تاريخ التسجيل : 27/10/2010

مُساهمةموضوع: نعوت الأولياء   الثلاثاء نوفمبر 09, 2010 7:48 pm

من نعوت السادة الأولياء رضي الله عنهم وعنا بهم

قال الشيخ أبو نعيم رحمه الله تعالى([1]):

واعلم أن لأولياء الله تعالى نعوتاً ظاهرة، وأعلاماً شاهرة :

ينقاد لموالاتهم العقلاء والصالحون، ويغبطهم. بمنزلتهم الشهداء والنبيون.

ومن نعوتهم: أنهم المورثون جلاسهم كامل الذكر، والمفيدون خلانهم بشامل البر.

ومنها: أنهم المسلمون من الفتن الموقون من المحن .

ومنها: أنهم المضرورون في الأطعمة واللباس، المبرورة أقسامهم عند النازلة و الباس.

ومنها: أن ليقينهم تنفلق الصخور، وبيمينهم تنفتق البحور.

ومنها: أنهم سباق الأمم والقرون ، وبإخلاصهم يمطرون وينصرون .

ومنها: أنهم نظروا إلى باطن العاجلة فرفضوها، وإلى ظاهر بهجتها وزينتها فوضعوها.

وهم المصونون عن مرامقة حقارة الدُّنْيَا بعين الاغترار([sup][2])[/sup]، المبصرون صنع محبوبهم بالفكر والاعتبار .

وهم الشغفون به وبوده، والمكلفون بخطابه وعهده .

وهم مصابيح الدجى، وينابيع الرشد والحجى، خصوا بخفى أي اختصاص، ونقوا من التصنع بالإخلاص :

وهم الواصلون بالحبل، والباذلون للفضل، والحاكمون بالعدل :

وهم المنبسطون جهراً، المنقبضون سراً، يبسطهم روح الارتياح والاشتياق، ويقلقهم خوف القطيعة والفراق.

وهم المبادرون إلى الحقوق من غير تسويف والموفون الطاعات من غير تطفيف.



**************************************


([1]) حلية الأولياء [1/ 5] .


([2]) قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في كتاب العين [5 /161]: المُرامَقةُ بالبَصَر ، وما زِلتُ أرمُقُه بعَيْني وأرامِقُه ، أي أُتبِعُه بَصَري فأُطيلُ النَّظَر .

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
أبو بهاء
مشرف القسم الصوفي
مشرف القسم الصوفي


الدعاء





الأوسمة

الجنس : ذكر عدد المساهمات : 56
نقاط : 83
تاريخ الميلاد : 10/05/1971
تاريخ التسجيل : 27/10/2010

مُساهمةموضوع: باب في تعريف أصناف الأولياء رضي الله عنهم   الخميس نوفمبر 11, 2010 12:59 am

باب في تعريف أصناف الأولياء رضي الله عنهم


قال سيدي محمد بهاء الدين الرواس رضي الله عنه ونفعنا به([1]):

من صنوف الأولياء رضي الله عنهم :رجل أخذ الأدب طرزاً ، والفقر إلى الله كنزاً ، عاش مع الناس كواحد منهم ، لا يميزه إلا الدقيق الفكر عنهم.

ومنهم : من وقف في مقام الحيرة مندهشاً ، لا يبدي ولا يعيد إذا رآه المفتون قال : هذا مجنون .

يقتصر على الأوامر فيعمل بها وعلى النواهي فيجتنبها ، وتصعد همته إلى مطلوبه من طريق حيرته.

ومنهم : من غلبه الزهد فزهد نفسه وغيره ، فأخذ به زهده إلى منصات العارفين ، ومراتب أهل اليقين.

ومنهم : من تقرب إلى الباب بالبذل والسخاء والتواضع الخالص ، فأكسبه ذلك سموا في مقامه ، وارتقاءً في منزلته ، فأصبح وهو على فراشه سابقاً للقوافل ، واصلاً إلى أكرم المنازل .

ومنهم : من نشط بالصدق فإذا قال صدق ، وإذا عمل صدق ، وإذا أخذ صدق ، وإذا أعطى صدق ،

وإذا قام صدق ، وإذا قعد صدق ، فنفعه صدقه ، وأثبت ببركة صدقه في دفاتر أهل الصدق المقربين .

ومنهم : من قهر نفسه في كل أحواله ، وخالفها في كل أمالها ، ووقف رقيباً عليها ، محاسباً لها على كل نَفَسٍ ، فارتقى بذلك إلى المقام الأنفس .

ومنهم : من طاب بالذكر ، واستنار بالفكر ، فقلبه بالذكر هائم ، وعقله بالفكر مستنير ، يأخذ قلبه بركة الذكر فيضيء ، ويجتذب عقله آثار صحة الفكر فيطيب ، وله من الطريقين نصيب حسن وأي نصيب.

ومنهم : من صح حاله ، وأعوج مقاله ، فلسانه لسان العوام ، وحاله حال الخواص ، أوقاته مع ربه معمورة ، وخلواته وجلواته بصحيح الحال مباركة ومبرورة .

ومنهم : من علا قاله ، وانحط عنه حاله ،فهو في منزلة السير ، إن لحق حاله قاله أكمل حينئذ الكريم حاله، وإلا فهو من صفوف الباب وإلى الله المآب.

ومنهم : من جمع بين علوّ المقام وسموِّ الحال ، ومثل هذا يعربد ويشطح ، وإن التذَّ بقاله وطاب بحاله ادعى وتبجح ، فهو وان كان قبل انخراطه في وهدة الشطح ولياً ، غير أنه في حالة الشطح يسقط من مرتبته كسقوط النائم عن مرتبة اليقظة إلى أن يستقيظ ، وذلك الرجل كذلك يسقط بسبب شطحه وعربدته ، وهناك يعود إلى منزلة ولايته ، ومن ثم قال قائلهم : الشطَّاحُ لا يكون ولياً عند الله حالة الشطح.

ومنهم : من يصفو له الحال ، ويعذب منه المقال ، فهو وإن لم يكن رب مقال غير أنه لصفو الحال لا يتجاوز حد التحدث بالنعمة في المقال .

ومنهم : أمي اللسان عالم القلب ، اتخذه ربه ولياً فعلمه وهذبه وأكرمه بسبك معاني علوم الخواص ،

في كلمات أطراف العوام ، يعرف مثلَ ذلك الرجلِ من صفا قلبه ، وصح من القوم أدبه ، وحسن نظره ، وطاب مخبره وخبره ، وإلا فمن كان مغشوش القلب سيء الأدب والنظر ، يتبع كل ناعق ، يقف مع عينه تستحسن الشيء تارة وتستقبحه أخرى ، بالكلمة يعتقد ، وبأختها ينتقد ، فهذا لا يمكنه الانتفاع بمثل ذلك الأمي المحمدي الحال ، العلوي المقال ، وبين فهمه ومرتبة الرجل أهوال.

ومنهم : مصطلم([2])غلبه حاله فغاب ، ولذّ له الشراب ، وتجرد لحبيبه عن الكل ، وانسلخ عن النفس والأهل ، أخذه شهوده إلى مشهوده لم يعرف غيرَه ، ولم يطرب بغير ذكرِه ، نَفَسُهُ لنفسه خاص ، وينفع الله به من أراد من عباده أولي اليقين الحسن والإخلاص.

ومنهم : ذو هيبة جليلة([3])، وسكرة جليلة([4]) ، هاب فخلعت عليه خلعة الهيبة ، فهو نسيج وحده ، لا يأنس بشيء ، ولا يقف مع شي ء ، انسه بربه ، وبما آل إليه ، ذهل بهيبته حتى عن قالبه ، فوقف برونق

الروح بين يديه، وكذا يعرض عليه.

ومنهم : من أخذ الخفا ديدناً ، والانطماس عن الناس منهجا حسناً ، كل أحواله بينه وبين ربه ، يظهر للناس بحال وله مع ربه أحوال .

ومنهم : من تبرز منه أثار تعاب ، وينتقد إلا عند أولي الألباب ، ستر بتلك الآثار أسراره ، فدأبه التستر والكتمان ، والتخافي عن عين الزمان ، على حد قول قائلهم :
تسترتُ عنْ دهرِي بظلِّ جَنَابِهِ *** فصرتُ أرَى دهرِي وليسَ يرَانِي
فأنْ تسألِ الأيامَ عَنِّي ما درَتْ *** وأينَ مكانِي مَا عرفْنَ مَكانِي



ومنهم من أهل هذا المقام : أهل ظهور ، وارتفاع منزلة فوق مواقع البدور، ومع ذلك ففي ظهوره مستتر عن أعين الجاهلين ، ومختفٍ عن ألحاظ الجاحدين والحاسدين .

ومنهم من أهل هذا المقام - أعني مقام الخفاء - : في ظهور من نهضت به العناية ، ولحظته النفحات

الربانية بأعين الوقاية والرعاية ، فهو في منزلته مصون ، وفي مقامه مأمون ، وعلى رأسه لواء ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾[يونس:62].

ومنهم : الجامع للمراتب ، الراقي لمنصات جميع تلك المناصب ، طلسمت بمعدنية ذاته الشؤون المحمدية ، ونسجت في قلبه وقالبه لطائف البراهين المصطفوية، فظهوره في خفاء ، وخفاؤه في ظهور، علمه فياض ، وأعماله منزهة عن الأغراض ، ينصرُ اللهَ باللهِ للهِ ، وغيرتُهُ وغارتُهُ لوجهِ اللهِ ، يوالي لله ، ويعادي لله ، وهمُّهُ اللهُ ، ينفع الخلق لأجل الحق ، بقاله وحاله وماله ، وهو كالغيث النافع بركته ، في كل أحواله وأفعاله وأقواله ، وهذا لابد وأن يكون من البيت المحمدي لاستجماعه الكثير من الخلايا المحمدية ، والسمات النبوية، والخصال المصطفوية ، ولابد أن يكون محسوداً يكذب عليه ، وينسب ما لم يكن منه إليه ، ولن يبتلى بحسد مثل ذلك الرجل إلا من ساءت ولادته ، أو خبثت معدنيته، أو اسودت بالإغراض السيئة نيته ، أو صُدّ بيد القدر عن طريق الصواب ، ونبح لأجل الدنيا بلسان حقده نبح الكلاب .

وذلك المحسود مؤيد الحال ، مصون المآل ، مبارك في أطواره كلها ، ولا يضره هجوم الحاسدين ، ولا زور الجاحدين ، بل هو بعين الله ، تحت راية عناية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل حال يطرأ عليه من أحوال الجمال أو الجلال فهو خير له وبركة وسعادة ، بأي طرز ظهر ، وبأي شكل تعين له أثر ، يعرف ذلك المحققون من الصديقين .
والحمد لله ربّ العالمين.

**********************

([1]) الدرة البيضاء 31 .
([2]) قال المناوي في التعاريف [ ص : 68 ] : الاصطلام عند الصوفية: نعت وَلَهٍ يرد على القلب تحت سلطان القهر .
([3]) قال في التعاريف [ ص : 745 ] : الهيبة أثر مشاهدة جلال الله في القلب ، وقد تكون عن الجمال الذي هو جمال الجلال ، والهيبة والأنس حالتان فوق القبض والبسط ، فوق الخوف والرجاء ، فالهيبة مقتضاها الغيبة ، والأنس مقتضاه الصحو والإفاقة .
([4]) قال الجرجاني في التعريفات [ ص : 159] : السكر عند أهل الحق : هو غيبة بوارد قوي ، وهو يعطي الطرب والإلتذاذ ، وهو أقوى من الغيبة وأتم منها .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
محب السيد الرواس
الإدارة
الإدارة
avatar

الدعاء





الأوسمة




الجنس : ذكر عدد المساهمات : 1055
نقاط : 1693
تاريخ الميلاد : 09/01/1987
تاريخ التسجيل : 07/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: الانتصار لأهل الذل والانكسار   الخميس نوفمبر 11, 2010 5:06 am

جزاكم الله تعالى كل خير

في برقمة البلبل كلام جميل سأحاول تصوير الرسالة وأدراجها قريبا إن شاء الله تعالى

وأجدد شكري لكم على أختيار هذا الموضوع الذي نحن بأمس الحاجة إليه الآن

ملاحظة : كم من كتاب ألف ولم يقرأ إلابعد سنين فنسأل الله أن يجعل فيما تكتبه سيدي نفع للأمة






أخي لاتنسانا من صالح دعائك

منتدى الإمام الرواس
قدس سره

شاركنا وكن عضوا من أعضاء المنتدى




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://alrfa3ea.4umer.com
أبو بهاء
مشرف القسم الصوفي
مشرف القسم الصوفي


الدعاء





الأوسمة

الجنس : ذكر عدد المساهمات : 56
نقاط : 83
تاريخ الميلاد : 10/05/1971
تاريخ التسجيل : 27/10/2010

مُساهمةموضوع: شكر وتقدير   الجمعة نوفمبر 12, 2010 1:48 am

الله يبارك فيك ويزيدك من خيره يا أخ رائد المبارك
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
محب السيد الرواس
الإدارة
الإدارة
avatar

الدعاء





الأوسمة




الجنس : ذكر عدد المساهمات : 1055
نقاط : 1693
تاريخ الميلاد : 09/01/1987
تاريخ التسجيل : 07/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: الانتصار لأهل الذل والانكسار   الجمعة نوفمبر 12, 2010 3:29 am

وفيكم يا سيدي

برقمة البلبل
http://alrfa3ea.4umer.com/montada-f7/topic-t338.htm#1469

سؤال ك هل قمت بتحميل الكتب الإلكترونية التي أضفتها حديثا ؟؟؟؟

هل هناك مشكلة في الروابط ؟؟؟

هل الصفحات واضحة أم أنها غير مقروءة ؟؟؟

بارك الله تعالى بك
أرجوا الإجابة ممن قرأ الموضوع






أخي لاتنسانا من صالح دعائك

منتدى الإمام الرواس
قدس سره

شاركنا وكن عضوا من أعضاء المنتدى




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://alrfa3ea.4umer.com
أبو بهاء
مشرف القسم الصوفي
مشرف القسم الصوفي


الدعاء





الأوسمة

الجنس : ذكر عدد المساهمات : 56
نقاط : 83
تاريخ الميلاد : 10/05/1971
تاريخ التسجيل : 27/10/2010

مُساهمةموضوع: وصايا أحمدية ونصائح رفاعية   الأحد نوفمبر 14, 2010 6:21 pm

وصايا أحمدية ونصائح رفاعية


قال السيد أحمد الرفاعي رضي الله عنه([1]):

الْصَقُوا بأولياء الله: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾([2]).

الولي من واد الله , وآمن به واتقاه ، فلا تحادُّوا من وادَّ الله .

جاء في بعض الكتب الإلهية: «مَنْ آذَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ» .

الله يغار لأوليائه ، وينتقم لهم ممن يؤذيهم ، ويكرمهم بصون محبيهم ، وعون من يلوذ فيهم ، هم أخص المخاطبين بآية :

﴿ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ([3]). عليكم بمحبتهم ، والتقرب إليهم ، تحصل لكم بهم البركة ، كونوا معهم , ﴿ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْمُفْلِحُونَ ([4]) .

وقال أيضاً رضي الله عنه([5]):

صدق العبودية أن يُسَلِّمَ العبد لسيده .

الفقير إذا انتصر لنفسه تعب , وإذا سلم الأمر لمولاه نصره من غير عشيرة ولا أهل .

أقامنا الله أثمة الدعوة إليه ، بالنيابة عن نبيه صلي الله عليه وسلم من اقتدي بنا سلم ، ومن أناب إلي الله بنا غنم .

الحق يقال: نحن أهل بيت ما أراد سلبنا سالب إلا وسلب ، ولا نبح علينا كلب إلا وجرب ، ولاهم على ضربنا ضارب إلا وضرب ، ولا تعالى علي حائطنا حائط إلا وخرب: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا ([6]) ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ([7]).

إنكار بوارق الأرواح جهل بمدد الفتاح ، لا تعطيل لكلمة الله: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ([8]) يتولى أمورهم وأمور مناديهم , ومن ينزل بناديهم , حال حياتهم وبعد مماتهم , بلحوق علم منهم ، وبغير لحوق علم منهم .

العبد إذا كان راحماً يستر النائم ولا يذكر له ذلك ، يوصل الخير إلي الفقير ولا يعرفه الخبر .

الله الرحمن الرحيم العظيم الكريم , ينتصر لعبده الولي من حيث لا يدري ، يرزقه من حيث لا يحتسب ، تعصمه جبال عنايته من ماء غرق الأكدار والاقتدار ، تدفع عنه وعن محبيه الأقدار بالأقدار ، لا به ، ولكن له التنزلات المحكمة , ليس لها من دون الله كاشفة ، من اعتصم بالله عصم ، ومن وقف مع الأغيار ندم .

قال سيدى الشيخ منصور الرباني رضي الله عنه :- الاعتصام بالله ثقتك به , وتنزيه خواطرك عن غيره - .

القوم أرشدونا , دلونا علي الطريق , كشفوا لنا حجاب الإغلاق عن خزائن درر الكتاب والسنة ، عرفونا حكمة الأدب مع الله ورسوله r ؛ هم القوم لا يشفى جليسهم ، من آمن بالله وعرف شأن رسوله r أحبهم واتبعهم .

" أي سادة " القوم بايعوا الله بصدق النيات ، وخالص الطويات ، علي كثرة المجاهدات , وملازمة المراقبات والطاعات , و الصبر علي جميع المكروهات , وقال سبحانه وتعالي فيهم . ﴿ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ﴾([9]) .

بادَروا ركوب العزائم بالعزم , وقوة الحزم , فَهَجروا المنام ، وَتَركوا الشراب والطعام , وقاموا لله بالخدمة في حنادس الليل والظلام , وخدموا بالخشوع والسهر والقيام , والركوع و السجود والصيام ، وتململوا في محاريبهم بين يدي محبوبهم لنيل مطلوبهم , حتى وصلوا إلي مقام القرب ومحل الأنس , وظهر لهم سر قوله تعالى: ﴿ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ﴾([10])، فأعطاهم الدرجة العليا , والمحل الأدنى ، ولاريب فالقريب من القريب قريب , والمحب عند أحباب الحبيب حبيب ، حبيب لهم , حبيب لمحبيهم , محبوب عند الله ، ترفعه بركه محبته إلي المحبوبية ما شاء الله كان .

" أي سادة " عليكم بالتقرب من أولياء الله ، من والَى وليَّ الله والَى الله ، ومن عادى وليَّ الله عادى الله .

من أحب عدوك , هل تحبه يا أخي ؟ لاوالله . الله أغير من الخلق , ويفعل وينتقم ويقهر .

من أحب محبك هل تبغضه ؟ لا والله . الله أكرم من الخلق ، يحسن ويجعل وينعم ويكرم ، وهو أكرم الأكرمين , وأرحم الراحمين .

نعم الله تعالى تذكر ، من قربته من العزيز فهو قريب ، ومن أبعدته عنه فهو بعيد .

أيها البعيد عنا , الممقوت منا , ماكان هذا منك يا مسكين ، لو كان لنا فيك مقصد يشهد بحسن استعدادك ، وخالص حبك إلي الله وأهله , اجتذبناك إلينا , وحسبناك علينا , شئت و إلا .

لكن الحق يقال: حظك منعك ، وعدم استعدادك قطعك ، لو حسبناك منا ما تباعدت عنا ، خذ مني يا أخي علم القلب ، خذ مني علم الذوق ، خذ مني علم الشوق ، أين أنت مني يا أخا الحجاب ،كشف لي قلبك .

أي أخي ! لو سمعت نصحي لتبعتني ، لا تقل لو أخذتني تبعتك ، أنا علي النصيحة ، وأنت علي كل حال عليك أن تسمع وتتبع ، اعمل بطاعة الله , وارض بقضاء الله ، واستأنس بذكر الله ، تكن من أصفياء الله .

من عرف الله زال همه ، العارف من هاجر وتجرد من الخلق .








([1]) البرهان المؤيد : صفحة : 25 .


(2) يونس : 62 - 63 .


([3]) فصلت: 31 .


([4]) المجادلة: 22 .


([5]) البرهان المؤيد : صفحة : 44- 46 .


([6]) الحج : 38 .


([7]) الأحزاب : 6 .


([8]) الأعراف: 196.


([9]) الأحزاب : 23.


([10]) الكهف : 3.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
الانتصار لأهل الذل والانكسار
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الشبكة الرفاعية ( منتدى الإمام الرواس قدس سره ) :: منتدى التصوف الإسلامي :: منتدى التصوف والعرفان-
انتقل الى:  
عذرا
لقد تم نقل المنتدى إلى استضافة جديدة كليا
يمكنكم التواصل معنا من خلال الرابط التالي :

http://www.alrfa3e.com/vb



أهلا وسهلا بكم معنا

أعضاء وزوار اكارم



زوار المنتدى للعام الجديد 2011 - 1432
free counters




جميع الحقوق محفوظة لــ الشبكة الرفاعية ( منتدى الإمام الرواس قدس سره )
 Powered by ra2d hamdo ®http://alrfa3ea.4umer.com
حقوق الطبع والنشرمحفوظة ©2011 - 2010